العيني

217

عمدة القاري

بينه وبين السيل بناه عامر الجادر . وعن علي ، لما بناه إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، مر عليه الدهر فانهدم ، فبنته جرهم ، فمر عليه الدهر فانهدم ، فبنته قريش ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يومئذ شاب . وصحح الحاكم أصل هذا الحديث . وقال ابن شهاب : لما بلغ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الحلم أجمرت امرأة الكعبة ، فطارت شرارة من مجمرتها في باب الكعبة ، فاحترقت ، فهدموها . فلما اختلفوا في وضع الركن دخل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو غلام عليه وشاح نمرة ، فحكموه فأمر بثوب . . . الحديث ، وفيه : فوضعه هو في مكانه ثم طفق لا يزداد على ألسن الأرض حتى دعوه الأمين ، وعند موسى بن عقبة : كان بنيانها قبل البعثة بخمس عشرة سنة ، وكذا روي عن مجاهد وعروة ومحمد بن جبير بن مطعم وغيرهم . وقال محمد بن إسحاق في ( السيرة ) : ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين أجمعت قريش لبنيان الكعبة ، وكانوا يهمون لذلك ليسقفوها ويهابون هدمها ، وإنما كانت رضما فوق القامة ، فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة ، وإنما يكون في بئر في جوف الكعبة ، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة ، فقطعت قريش يده ، ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك ، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها ، وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم ، في أنفسهم بعض ما يصلحها ، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى لها كل يوم ، فتشرف على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلاَّ أخزلت ، وكشطت وفتحت فاها ، وكانوا يهابونها ، فبينما هي يوم تشرف على جدار الكعبة ، كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرا ، فاختطفها ، فذهب بها فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون الله تعالى ، رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب ، وكفانا الله الحية ، ثم اجتمعت القبائل من قريش فجمعوا الحجارة لبنائها ، كل قبيلة على حدة ، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن ، يعني : الحجر الأسود ، فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، فآخر الأمر إن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمران بن مخزوم كان عامئذ أسن قريش كلهم ، فقال : يا معشر قريش إجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، فقالوا : وكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا ، هذا محمد ، فلما انتهى إليه الخبر قال صلى الله عليه وسلم : هلم إليَّ ثوبا ، فأُتي له ، فأخذ الركن يعني : الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لولا حدثان قومك ) ، الحدثان ، بكسر الحاء المهملة وبالثاء المثلثة ، بمعنى : الحدوث ، معناه : قرب عهدهم بالكفر ، وخبر المبتدأ محذوف . قوله : ( لفعلت ) ، أي : لرددتها على قواعد إبراهيم . قوله : ( قال ) أي : عبد الله بالإسناد المذكور ، ويروى : فقال : وقال ، بالفاء والواو ، ويروى : قال عبد الله . قوله : ( لئن كانت عائشة ) ، ليس هذا اللفظ منه على سبيل التضعيف لروايتها والتشكيك في صدقها ، لأنها كانت صديقة حافظة ضابطة ، غاية ما يمكن بحيث لا تستراب في حديثها ، ولكن كثيرا يقع في كلام العرب صورة التشكيك ، والمراد به التقرير واليقين . كقوله تعالى : * ( وإن أدري لعله فتنة لكم ) * ( الأنبياء : 111 ) . و * ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) * ( سبأ : 05 ) . قوله : ( ما أرى ) ، بضم الهمزة أي : ما أظن ، وهي رواية معمر ، وزاد في آخر الحديث : ( ولا طاف الناس من وراء الحجر إلاَّ لذلك ) قوله : ( استلام الركنين ) الاستلام افتعال من السلام ، يقال : استلم الحجر إذا لمسه ، والمراد : لمس الركنين بالقبلة أو باليد . قوله : ( يليان الحجر ) ، أي : يقربان من الحجر ، بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم ، وهو معروف على صفة نصف الدائرة ، وقدرها تسع وثلاثون ذراعا وقالوا : ستة أذرع منه محسوب من البيت بلا خلاف ، وفي الزائد خلاف . قوله : ( إلا أن البيت ) ، أي : الكعبة ( لم يتمم على قواعد إبراهيم التي رفعها ) ، يريد : أن كان عبد الله بن محمد بن أبي بكر سلم من السهو في نقله عن عائشة ، وكانت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك . . . إلى آخره ، فأخبر ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم ترك استلامهما ، ومقتضاه أنه قصد تركهما ، وإلاَّ فلا يسمى تاركا في العرف من أراد من الكعبة شيئا فمنعه منه مانع ، فكان ابن عمر علم ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستلام ولم يعلم علته ، فلما أخبره عبد الله بن محمد بخبر عائشة هذا عرف علة ذلك ، وهو كونهما ليس على القواعد ، بل أخرج منه بعض الحجر ولم يبلغ به ركن البيت الذي من تلك الجهة ، والركنان اللذان اليوم من